المقريزي

265

إمتاع الأسماع

بنحر الرفقة البعير والبعيرين ، ويتعاقبون فيما فضل من ظهرهم ، وهم قافلون إلى أهليهم . فقال : يا رسول الله ، لا تفعل ، فإن يكن للناس فضل من ظهرهم يكن خيرا ، فالظهر اليوم رقاق ، ولكن أدع بفضل أزوادهم ثم اجمعها فادع الله فيها بالبركة كما فعلت في منصرفنا من الحديبية حيث أرمنا ، فإن الله عز وجل يستجيب لك ، فنادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم من كان عنده فضل من زاد فليأت به ، وأمر بالأنطاع فبسطت ، فجعل الرجل يأتي بالمد الدقيق والسويق والتمر ، والقبضة من الدقيق والسويق والتمر والكسر فيوضع كل صنف من ذلك على حدة ، وكل ذلك قليل ، فكان جميع ما جاءوا به من الدقيق والسويق والتمر ثلاثة أفراق ( 1 ) حزرا ، ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فتوضأ وصلى ركعتين ، ثم دعا الله عز وجل أن يبارك فيه . فكان أربعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يحدثون جميعا حديثا واحدا ، حضروا ذلك وعاينوه : أبو هريرة ، وأبو حميد الساعدي ، وأبو زرعة الجهني معبد بن خالد ، وسهل بن سعد الساعدي ، رضي الله تبارك وتعالى عنهم . قالوا ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم ونادى مناديه : هلموا إلى الطعام خذوا منه حاجتكم ، فأقبل الناس فجعل كل من جاء بوعاء ملأه . فقال بعضهم لقد طرحت يومئذ كسرة من خبز وقبضة من تمر ، ولقد رأيت الأنطاع تفيض ، وجئت بجرابين فملأت إحداهما سويقا والآخر خبزا ، وأخذت في ثوبي دقيقا ، ما كفانا إلى المدينة ، فجعل الناس يتزودون الزاد حتى نهلوا عن آخرهم حتى كان آخر ذلك أن أخذت الأنطاع ونثر ما عليها . فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو واقف : أشهد أن لا إله إلا الله وأني عبده ورسوله وأشهد أنه لا يقولها أحد من حقيقة قلبه إلا وقاه الله حر النار . وكان الذين رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رأيهم الحباب بن المنذر بن

--> ( 1 ) الأفراق : جمع فرق ، وهو مكيال المدينة يسع ثلاثة آصع ، أو يسع ستة عشر رطلا ، أو أربعة أرباع . والحرز : التقدير والخرص . ( القاموس المحيط ) .